الكبائر هي الجرم أو الإثم أو الذنب الجسيم، وهي المخالفات التي تخرج عن نطاق الصغائر لتدخل في دائرة العقوبة الإلهية الشديدة. وقد اختلف العلماء في تحديد عددها الدقيق وفي حدها الشرعي، حيث تراوحت الآراء بين السبع الموبقات وسبعمائة كبيرة، بينما رجح جمع من المحققين التعريف الذي يربط الكبيرة بما ختمه الله تعالى بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب، وهو الرأي الأقوى والأشهر الذي نقل عن عدد من السلف والخلف.

الدليل الشرعي على خطورة الكبائر

لقد أولت النصوص الشرعية اهتماماً بالغاً بتحذير المؤمنين من الوقوع في الكبائر، وذلك لخطورتها البالغة على سلامة الإيمان واستقامة الدين. فقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم في سورة النساء آية 31 قوله: «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا». وهذه الآية الكريمة تضع شرطاً للتكفير عن السيئات والصغائر، وهو اجتناب الكبائر، مما يدل على أن الكبائر تمنع مغفرة الذنوب الأخرى ما لم يتب منها العبد. كما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم حديث يؤكد هذا المعنى ويوضح العلاقة بين العبادة اليومية والابتعاد عن الكبائر. فقد قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر». وهذا الحديث رواه مسلم والترمذي، وهو يشير إلى أن الطاعات والمداومة عليها لا تكفر الذنوب إذا صاحبها إصرار على الكبائر أو عدم اجتناب لها. وبالتالي، فإن الكبائر تمثل حاجزاً يمنع التكفير العام للذنوب التي تأتي من خلال المداومة على العبادات المفروضة.

الاختلاف الفقهي في تحديد عدد الكبائر وحدودها

على الرغم من وضوح خطورة الكبائر، إلا أن العلماء اختلفوا اختلافاً كبيراً في تحديد عددها الدقيق وفي وضع حد واضح لها يشمل جميع صورها. فمنهم من حدد العدد بدقة، ومنهم من اتجه إلى تعريفها بالمعنى العام. وفيما يلي أبرز الآراء التي وردت في هذا الشأن:

  • قال بعضهم: إن الكبائر هي السبع الموبقات.
  • قال بعضهم: إنها سبعون كبيرة.
  • قال بعضهم: إنها سبعمائة كبيرة.
  • قال بعضهم: إنها كل ذنب اتفقت الشرائع السماوية على تحريمه.

وهذه الآراء تعكس الاجتهاد البشري في استنباط الأحكام من النصوص العامة، لكن الغالب على هذه التحديدات أنها اجتهادات فردية لا تقوم على نص صريح يحصر العدد في رقم معين. لذلك، فإن الاعتماد على الأرقام قد لا يكون دقيقاً من الناحية العلمية الدقيقة، إذ إن النصوص جاءت عامة في التحذير من الكبائر دون حصر عددي شامل لكل زمان ومكان.

التعريف الأرجح للكبيرة عند المحققين

في ضوء الاختلاف السابق، ذهب كثير من العلماء إلى اعتماد تعريف معنوي للكبيرة بدلاً من الحصر العددي، وذلك لأن طبيعة الذنوب تتعدد وتتشعب، والحصر العددي قد يغفل بعض الصور المستجدة. من أشهر التعريفات ما نقل عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن البصري وغيرهم من السلف الصالح. وقد عرفوا الكبيرة بأنها: «كل ذنب ختمه الله تعالى بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب». وقد ورد مثل هذا القول عن الإمام أحمد بن حنبل، مما يعطي لهذا التعريف وزناً فقهياً كبيراً في المذهب الحنبلي وما بعده. وقد رجح هذا القول عدد من أئمة التفسير والعقيدة والفقه، منهم القرطبي وابن تيمية والذهبي وغيرهم. ويرجع ترجيح هذا التعريف إلى شموليته ودقته، فهو يربط الحكم بالعاقبة الأخروية المعلومة في النصوص، فلا يعتبر شيئاً كبيرة إلا إذا وجد فيه أحد هذه الخواتم الإلهية الشديدة. وهذا النهج يحفظ المسلم من الاطمئنان بالذنوب الصغيرة، ويجعله حريصاً على اجتناب كل ما توعد الله عليه بالعقاب الشديد، سواء كان مذكوراً في قائمة محددة أم لا.