لا توجد امرأة ذُكِر اسمُها صراحةً في القرآن سوى مريم، وهو ما يفسر تكرار ذكر اسمها في مواضع متعددة دون غيرها من النساء اللواتي ذكرت قصصهن أو أوصافهن. يأتي هذا التكرار انسجاماً مع الأسلوب القرآني المعهود الذي يعتمد على الإيجاز المُعجِز، حيث يقتصر الخطاب على ذكر الطريقة الأقرب إلى تعيين الشخص المُراد وتحديد هويته بدقة. وقد جاء ذكر الاسم في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ۝١٦﴾، مما يؤكد أن اختيار الاسم الشخصي لمريم كان ضرورياً لتعيين هويتها بشكل لا لبس فيه، بعكس حالات أخرى حيث تكون الألقاب أو الكنى أكثر دقة في التعريف بالشخصيات المذكورة.

الأساليب الثلاثة للتعريف بالأشخاص في القرآن

يتبع القرآن الكريم منهجية دقيقة ومتنوعة عند الإشارة إلى الشخصيات التاريخية والدينية، وذلك لضمان الوضوح والدقة في نقل القصص والعبر. توجد ثلاث طرق رئيسة للتعريف بالأشخاص في النص القرآني، وهي: الاسم، الكُنية، واللقب. تتفاوت هذه الطرق الثلاث في درجة اشتهار الشخص بها، ويعتمد اختيار إحداها على السياق والمقام الذي تُذكر فيه الشخصية. فالأسلوب القرآني الإعجازي الموجز يقتصر دائماً على ذكر الطريقة الأقرب إلى تعيين الشخص المُراد، ويتم اختيار الطريقة الأكثر تحديداً لهوية الشخص بحسب ما يقتضيه المقام والسياق. هذا التنوع في أساليب التعريف لا يعني تفاوتاً في المكانة أو الأهمية، بل هو أسلوب بلاغي يهدف إلى إيصال المعلومة بأقل عدد من الكلمات وبأكبر قدر من الدقة. فعندما يكون الاسم الشخصي هو الأكثر شهرة ووضوحاً لدى المخاطبين، يتم الاعتماد عليه مباشرة. أما عندما يكون اللقب أو الكنية هو الدلالة الأقوى والأشهر، فإن القرآن يختار ذلك ليكون وسيلة التعريف الأمثل. وهذا ما نراه بوضوح عند مقارنة كيفية ذكر بعض الشخصيات النسائية مع شخصيات ذكورية أو سياقات أخرى.

مقارنة بين ذكر مريم وآسية ودلالات الأسماء والألقاب

لفهم سبب حصر الذكر باسم مريم، ومن ثم تكراره، يمكن النظر إلى مثال مقارن يوضح آلية عمل الأسلوب القرآني في التعريف بالشخصيات. لا يوجد خلاف على أن فرعون هو الاسم الأكثر شهرة من آسية، وأن الناس جميعاً يعرفون دلالة الاسم فرعون. في المقابل، القليل من الناس هم الذين يعرفون آسية بإسمها الشخصي، وتُغنى إضافة اسم آسية إلى فرعون عن ذكر إسمها الشخصي في كثير من السياقات العامة. لذلك، فإن الإشارة إلى آسية بوصفها «امرأة فرعون» تكون كافية جداً للتعريف بها، وهذا الوصف يدل عليها أكثر مما لو ذُكِرت بإسمها فقط لا غير. من هنا، يتضح أن القرآن لم يذكر اسم آسية بشكل متكرر أو حصري كما فعل مع مريم، لأن السياق اقتضى استخدام اللقب أو الصلة الزوجية كدلالة أقوى وأدق على هويتها. بينما في حالة مريم، كان الاسم الشخصي هو الأداة الوحيدة الكافية لتعيين هويتها وتمييزها، خاصة أنها المرأة الوحيدة التي ذُكر اسمها صراحةً بهذه الصورة. هذا لا ينفي أن الاتجاه السائد في الخطاب القرآني والأحاديث النبوية هو المساواة التامة، والتي تختص بالعبادات والواجبات الدينية. فقد ذكرت النساء في القرآن في مواضع عديدة، وخص بعض النساء بذكر قصصهن أو أسمائهن حسب مقتضيات البلاغة والبيان القرآني. إن تكرار اسم مريم ليس تفضيلاً لها في العبادة، بل هو التزام بالمنهجية القرآنية في استخدام الأسماء والألقاب بما يحقق أعلى درجات الدقة في التعريف بالشخصيات المقدسة.