إن البحث عن إجابة لسؤال «لماذا بنيت الكعبة» يتطلب فهم السياق التاريخي الذي أحاط بالمنطقة في ذلك الوقت، حيث تشير الوقائع التاريخية إلى أن الدافع الرئيسي وراء محاولة تدمير الكعبة لم يكن هدمها بحد ذاته، بل كان رغبة حاكم اليمن أبرهة الأشرم في تحويل اهتمام العرب وعبادتهم نحو كنيسة القليس التي بناها وزينها في اليمن. وقد حاول أبرهة الحبشي، الذي كان يحكم اليمن نيابةً عن مملكة أكسوم الحبشية، استخدام القوة العسكرية لإجبار قبائل قريش وهذيل وكنانة وسائر العرب على التوجه إلى هذه الكنيسة بدلاً من الكعبة، مما أدى إلى شن حملة عسكرية غزوياً على مكة المكرمة.
دوافع أبرهة الأشرم والحملة العسكرية
كان أبرهة الأشرم، المعروف بلقبه هذا، الحاكم الفعلي لليمن تحت ظل مملكة أكسوم الحبشية، ولقد اتخذ قراراً استراتيجياً يهدف إلى تغيير المركز الديني والاقتصادي لشبه الجزيرة العربية. لقد قام ببناء كنيسة كبيرة ومزينة بشكل فاخر في اليمن أطلق عليها اسم كنيسة القليس، وكان طموحه أن تصبح هذه الكنيسة وجهة للحجاج والتجار بدلاً من الكعبة في مكة.لتحقيق هذا الهدف، قرر أبرهة استخدام القوة العسكرية لإخضاع القبائل العربية وإجبارها على الاعتراف بالكنيسة كمركز ديني جديد.
قاد أبرهة حملة عسكرية ضخمة لغزو مكة المكرمة، وقد اعتمدت هذه الحملة بشكل كبير على عنصر المفاجأة والقوة الهائلة للفيلة التي استخدمها في الغزو. كان الهدف المباشر من هذه الحملة هو إخضاع منطقة مكة وقبائلها، وتحديداً قريش وهذيل وكنانة، لضمان ذهابهم إلى كنيسة القليس. ومع ذلك، فإن الوقائع التاريخية تشير إلى أن هذه الحملة فشلت فشلاً ذريعاً، ولم يستطع أبرهة تحقيق هدفه في إخضاع المنطقة أو إجبار العرب على التوجه إلى كنسيته.
عام الفيل وتفاصيل الحملة وانتهائها
ارتبطت هذه الأحداث بسنة محددة في التاريخ العربي والإسلامي، وهي سنة 571 ميلادي، والتي توافق عام 53 قبل الهجرة، وقد سمي هذا العام بـ«عام الفيل» نسبةً إلى الفيلة التي استخدمتها حملة أبرهة في غزوها لمكة. يعد هذا الاسم دليلاً على الأثر الكبير الذي تركته هذه الحادثة في الذاكرة الجمعية لتلك الفترة، حيث أصبحت الفيلة رمزاً لهذه المحاولة الفاشلة لتغيير المسار الديني للمنطقة.
بعد فشل حملته وعدم قدرته على إخضاع مكة أو تدمير الكعبة كما خطط، عاد أبرهة إلى صنعاء، العاصمة اليمنية آنذاك. وقد توفي هناك بعد عودته من مكة بفترة وجيزة. يختلف المؤرخون حول السنة الدقيقة لوفاته، حيث يذكر بعض المؤرخين العرب الأوائل أنه توفي في سنة 570 للميلاد، بينما يشير آخرون إلى أنه توفي في سنة 571 للميلاد. ومن الجدير بالذكر أن المصادر اليونانية لم تذكر سنة وفاته بدقة، مما يجعل الاعتماد على الروايات العربية هو المرجع الأساسي في هذا الشأن.
على الرغم من أن السؤال الأصلي يبحث عن أسباب بناء الكعبة نفسها، إلا أن الوقائع المتاحة تركز بشكل أساسي على محاولة تدميرها من قبل أبرهة ودوافعه السياسية والدينية. لا توجد معلومات دقيقة في المصادر المذكورة تحدد تاريخ البناء الأصلي للكعبة أو الأسباب المباشرة لبنائها الأولي، بل تركز الروايات على الحدث التاريخي المتمثل في حملة أبرهة. لذلك، يمكن القول إن الدرس المستفاد من هذه الحادثة هو فشل محاولات فرض العبادة بالقوة، واستمرار قدسية الكعبة كمركز روحي للعرب رغم المحاولات العسكرية الكبرى لإزاحتها.


التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر