ثار العباسيون بهدف الإطاحة بحكم بني أمية، وهو ما تحقق فعلياً بهزيمة مروان بن محمد آخر خلفاء الأمويين في وقعة الزاب، وانتهاء وجودهم بعد فراره حتى مقتله في مصر. وقد استولى العباسيون على معظم البلاد الإسلامية من ما وراء النهر حتى إفريقية، ليبدأ عهد جديد من الحكم يمثلته الدولة العبَّاسية التي أسست دعوتها قبل اندلاع الثورة بسنوات طويلة.

جذور الدعوة وتنظيمها السري

لم تكن الثورة العبَّاسية حدثاً مفاجئاً، بل كانت نتيجة لعمل دؤوب ومنظم بدأ قبل اندلاعها بعقود. أسس الدعوة العبَّاسية السِّريَّة محمد بن علي والد أبو جعفر المنصور، الذي نشط داعياً في مدن متعددة مثل البصرة والموصل ومكَّة والقيروان ودمشق ومدن أخرى. واجهت هذه الدعوة تحديات كبيرة، حيث لاحقته العيون والأرصاد الأمويَّة، مما اضطر القائمين عليها للتنقُّل مخفي الهوية لحماية حياتهم. بعد وفاة مؤسس الدعوة سنة 124هـ / 742م، تولى أخوه إبراهيم الإمامة. وفي عهده، وبعد اكتمال تنظيمها، أظهرت الثورة العبَّاسية وجهها العلني سنة 129هـ / 747م. لعب أبو مسلم الخُراساني دوراً محورياً في هذه المرحلة، حيث جنَّد الأجناد وقاد الحملات للسيطرة على خُراسان وما جاورها. غير أن السلطات الأمويَّة أدركت خطورة الموقف، فقبض الشُّرطة الأمويَّة على الإمام إبراهيم إثر معرفتها بوقوفه خلف الثَّورة، وأودعوه السجن حتى وفاته. ورغم اعتقال الإمام، استمرت الآلة الحربية للدعوة. تولَّى أبو العبَّاس إمامة الدَّعوة بوصيةٍ من أخيه إبراهيم، وخرج مع أبي جعفر نحو الكوفة سرًا بعد وصول الجيوش العبَّاسية إليها. قاد الجيوش القائد قحطبة بن شبيب الطَّائي تمهيدًا لإعلان تأسيس الخلافة، وبويع السَّفَّاح أول خليفةٍ من بني العبَّاس في الكوفة صفر 132هـ / سبتمبر 749م. وكَّل السَّفَّاح أبا جعفر بأخذ البيعة عنه، مما رسخ شرعية الحكم الجديد.

توطيد الحكم والقضاء على المعارضة

بعد الإطاحة بالأمويين، واجه الخلفاء الجدد تحديات داخلية وخارجية لضمان استقرار الدولة. واجه أبو جعفر مشكلة خيانة الوزير أبي سلمة الخلاَّل وعرضها على أبي مسلم. كما كره أبو جعفر أبا مسلم لعظمته في خُراسان وتشكيله دولةً داخل الدولة، خاصة بعد أن ولَّى السَّفَّاح أبا جعفر أعمال الجزيرة وأذربيجان وأرمينية. اضطر أبو جعفر لقتال الخوارج لإعادة الاستقرار والهدوء في ولايته، وقاد حصار ابن هبيرة في واسط مدة 11 شهرًا. أمر السَّفَّاح بنصيحة أبي مسلم بقتل ابن هبيرة ناكثًا للعهد رغم رغبة أبو جعفر في الأمان. وقد عهد السَّفَّاح بالخلافة من بعده لأبي جعفر، ومن بعده لابن أخيهما عيسى بن موسى. تولَّى أبو جعفر الخلافة في 13 ذي الحجَّة سنة 136هـ / 10 يونيو 754م بعد وفاة السَّفَّاح. لكن السلام لم يدم طويلاً، إذ ثار عمُّه عبد الله بن علي طلبًا للخلافة ورفض خلافة ابن أخيه. كان عبد الله بن علي انتُدب لحرب الأمويين وإنهاء وجودهم، لكنه انقلب على ابن أخته. أمر أبو جعفر أبا مسلم بمحاربة عمِّه عبد الله وإنهاء شره رغم حذره منه. انتصر أبو مسلم على عبد الله في نصيبين وفر عبد الله من المعركة. استغل أبو جعفر الفرصة للتخلص من نفوذ أبي مسلم، فدبَّر الخليفة مكيدة لاستقدام أبي مسلم إلى المدائن وقتله في شعبان سنة 137هـ / فبراير 755م. ومع ذلك، تحرَّك الخطر الآخر من أبناء العمومة العلويين طلبًا للخلافة. انتفض محمد النَّفس الزكيَّة في المدينة المنورة، تبعه أخوه إبراهيم بن عبد الله في البصرة منتصف سنة 145هـ / أواخر 762م. قضى أبو جعفر عليهم تباعًا ولقَّب نفسه بالمنصُور بعد هزيمة النَّفس الزكيَّة، ليثبت بذلك سيطرة العبَّاسيين الكاملة على مقاليد الأمور.