يبحث الكثيرون عن «باب المندب» في ضوء التطورات العسكرية الأخيرة التي شهدها الساحل الغربي لليمن، حيث أعلنت القوات الحكومية وألوية العمالقة تنفيذ عملية عسكرية في محيط المضيق الاستراتيجي. تأتي هذه البحثات بعد سيطرة جماعة الحوثي خلال الشهر الماضي على مناطق ساحلية استراتيجية، بينها المخا ومواقع قريبة من الباب، مما شكل تهديداً مباشراً لطرق الملاحة الدولية. وقد أسفرت العملية العسكرية التي أُعلنت في أكتوبر الجاري عن استعادة منطقة ذو باب ومواقع استراتيجية أخرى، مما أدى إلى قطع طرق إمداد الجماعة المسلحة، وهو ما يعكس تحولاً مهماً في موازين القوى على الجبهة الغربية وتأثيره المباشر على الأمن البحري والتجارة العالمية.

أهمية باب المندب الاستراتيجية والملاحيّة

يُعد مضيق باب المندب أحد أبرز الممرات البحرية للتجارة الدولية وحركة السفن المتجهة من وإلى قناة السويس. يربط هذا المضيق الحيوي البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، مما يجعله شرياناً حيوياً للطاقة والتبادل التجاري العالمي. وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، عبَر المضيق أكثر من 8 ملايين برميل يومياً من النفط ومشتقاته خلال الربع الثاني من العام الحالي. تقع هذه النقطة الحيوية على الساحل الغربي لليمن بالقرب من محافظة تعز، وترتبط جغرافياً بجزيرة ميون. تمنح السيطرة على المواقع الساحلية القريبة أهمية عسكرية وأمنية قصوى لحماية طرق الملاحة من أي تهديد محتمل. ولذلك، فإن أي تغيير في توازن القوى في هذه المنطقة لا يؤثر فقط على المشهد المحلي اليمني، بل يمتد تأثيره ليشمل استقرار الإمدادات العالمية للطاقة. يسعى الحوثيون إلى توظيف التهديد الملاحي كورقة ضغط في أي تسوية مقبلة، بينما تحاول القوات الحكومية تأمين الساحل ونزع هذه الورقة من يد الخصم، وفتح الطريق أمام تحرك محتمل نحو الحديدة.

تفاصيل المعارك والسيطرة على المرتفعات

شهدت الساحة اليمنية مواجهات مكثفة بين القوات الحكومية وجماعة الحوثي، خاصة عقب هجوم الأخيرة على أحياء المطار القديم في تعز. كشفت مصادر يمنية عن استهداف تجمعات للحوثي في جبل هان ومحيط اللواء 35 بالمطار القديم غربي تعز. كما خاضت ألوية العمالقة معارك في محافظات أخرى أبرزها شبوة ضمن المواجهات الماضية. تلعب التضاريس دوراً محورياً في مسار هذه المواجهات، إذ تفرض تضاريس الساحل الغربي اليمني معادلتها الخاصة. يتحكم جبل العمري المطل على الطريق الساحلي بين عدن والحديدة والقريب من باب المندب في خطوط الإمداد. بالإضافة إلى ذلك، تمنح مرتفعات جبل النار والوازعية وموزع الطرف المسيطر قدرة على الرصد والتحكم في خطوط الإمداد المؤدية إلى تعز والساحل. حدثت سيطرة الحوثيين السابقة على المناطق الساحلية إثر تراجع القوات المناهضة للجماعة، لكن الصورة تغيرت مع شن القوات الحكومية لهجوم مضاد. استعادت القوات خلال هذا الهجوم منطقة ذو باب وجبل كهبوب ومواقع قريبة من المضيق بعد هجمات حوثية على المخا ومينائها. أدى هذا التقدم إلى قطع طرق إمداد للحوثيين واستعادة زمام المبادرة في مناطق حيوية.

ماذا بعد استعادة ذو باب؟

مع استعادة منطقة ذو باب والمواقع الاستراتيجية المحيطة، تتجه الأنظار نحو الخطوات التالية التي قد تؤثر على مستقبل الصراع في الجبهة الغربية. تسعى القوات الحكومية إلى تعزيز أمن الساحل لضمان سلامة الملاحة الدولية، مما يسهم في نزع ورقة الضغط التي كان يعتمد عليها الحوثيون في مفاوضات التسوية المستقبلية. كما أن فتح الطريق أمام تحرك محتمل نحو الحديدة يبقى خياراً استراتيجياً مطروحاً، خاصة مع التحكم في المرتفعات التي تسمح بالرصد والتحكم في خطوط الإمداد. ومع استمرار استهداف التجمعات في مناطق مثل جبل هان ومحيط اللواء 35، يبدو أن المعارك ستستمر في أشكال مختلفة، سواء عبر المواجهات المباشرة أو عبر محاولات السيطرة على النقاط الجغرافية الحاسمة مثل جبل العمري ومرتفعات موزع. لم يُعلن حتى الآن عن تفاصيل دقيقة حول جدول زمني نهائي لهذه العمليات، لكن المؤكد هو أن السيطرة على هذه المواقع ستظل عاملاً حاسماً في تحديد مسار المواجهات بين القوات الحكومية والحوثيين في الفترة القادمة.